النويري
21
نهاية الأرب في فنون الأدب
طماحك ، ويكفّ عنك من غربك ويفىء إليك بما عزب عنك من عقلك . وإياك ومساماة [ 1 ] اللَّه في عظمته والتشبّه به في جبروته ، فإن اللَّه يذلّ كلّ جبّار ويهين كلّ مختال . أنصف اللَّه وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّة أهلك وممن لك فيه هوى من رعيّتك ، فإنك إلَّا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد اللَّه كان خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللَّه أدحض حجّته وكان للَّه حربا حتى ينزع ويتوب . وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة اللَّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم [ فإن اللَّه سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد ] . وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمّها في العدل وأجمعها لرضا الرعيّة ، فإنّ سخط العامة يجحف برضا الخاصّة ، وإن سخط الخاصة يغتفر برضا العامة . وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء ، وأقلّ معونة في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف ، وأقلّ شكرا عند الإعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمّات الدهر من أهل الخاصة ، وإن عمود الدين وجماع المسلمين والعدّة للأعداء العامّة من الأمة ؛ فليكن صغوك لهم وميلك معهم . وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لعيوب الناس ، فإن في الناس عيوبا الوالي أحقّ بسترها ، فلا تكشفنّ عما غاب عنك منها ، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك ، واللَّه حكم على ما غاب عنك منها . فاستر العورة ما استطعت يستر اللَّه ما تحبّ ستره من عيبك . أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنهم سبب كل وتر ، وتغاب عن كل ما لا يصحّ لك . ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين . ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلا فيعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جبانا فيضعفك عن الأمور ، ولا حريصا فيزيّن لك الشره بالجور ؛ فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ باللَّه . واعلم أن شرّ وزرائك من كان
--> [ 1 ] في الأصل : « مساومة اللَّه » وما هنا عن نهج البلاغة .